◾ تواجه الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، توترات تجارية كبيرة، مما يؤثر على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والنظام التجاري.
◾ فرض الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية على الصين في عام 2018، واستمر الرئيس جو بايدن في تطبيق معظمها. وازدادت هذه الرسوم صرامةً خلال ولاية ترامب الثانية، في حين ردت بكين بفرض رسوم جمركية مماثلة وضوابط صارمة على صادرات العناصر الأرضية النادرة وغيرها من المواد الحيوية لتطوير التكنولوجيا.
◾ على الرغم من أن قرار المحكمة العليا الأميركية أبطل بعض التعرفات الجمركية التي فرضها قانون الطوارئ الذي أصدره ترامب، إلا أن الجزء الأكبر من التعرفات الجمركية المتعلقة بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لا يزال ساري المفعول.
◾ أدت قمة ترامب-شي في بكين في مايو/ آيار إلى تمديد فترة انفراج هشة بين البلدين، لكنها فشلت في التوصل إلى اتفاق شامل لاستعادة العلاقات التجارية الطبيعية.
◾ لا تبدو القمة الجديدة معنية بالتجارة وحدها؛ إذ تتسع أجندة العلاقة الأميركية الصينية لتشمل ملفات استراتيجية أكثر تعقيداً، من سباق الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى تايوان والعلاقات الصينية مع إيران
خاص CNBC عربية- محمد خالد
◾◾ تأتي القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن هذا الأسبوع، في وقت تشهد فيه العلاقات بين أكبر اقتصادين مرحلة جديدة من التنافس المتصاعد، بعد أشهر من الهدنة التجارية الهشة التي أعقبت لقاء الزعيمين في بكين خلال مايو/أيار الماضي.
وبينما نجح الطرفان في احتواء بعض أخطر مظاهر التصعيد، لا تزال الرسوم الجمركية والقيود على المعادن الأرضية النادرة والتكنولوجيا المتقدمة تمثل نقاط خلاف جوهرية، فيما تقترب الهدنة التجارية من موعد استحقاق جديد في نوفمبر/تشرين الثاني.
وتبعاً لذلك، لا تبدو القمة الجديدة معنية بالتجارة وحدها؛ إذ تتسع أجندة العلاقة الأميركية الصينية لتشمل ملفات استراتيجية أكثر تعقيداً، من سباق الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى تايوان والعلاقات الصينية مع إيران. فيما يظل الاقتصاد في قلب المحادثات، مع بحث واشنطن عن مزيد من المشتريات الصينية للسلع الأميركية، وتطلع بكين إلى تخفيف القيود الأميركية على التكنولوجيا، في وقت يحاول فيه الجانبان بناء آليات جديدة لإدارة العلاقات التجارية والاستثمارية بدلاً من العودة إلى دوامة التصعيد المتبادل.
وتحمل المعادن الأرضية النادرة أهمية خاصة في هذه الجولة من المفاوضات، بعدما تحولت صادراتها إلى إحدى أبرز أدوات الضغط المتبادل في الصراع التجاري والتكنولوجي. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان تدفق مستقر لهذه المواد الحيوية للصناعات المتقدمة والدفاع والطاقة، تضغط الصين للحصول على مساحة أكبر أمام شركاتها للوصول إلى التكنولوجيا الأميركية.
وبذلك، تتجاوز رهانات قمة واشنطن حدود التوصل إلى اتفاق تجاري واضحة معالمه، لتطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وبكين: هل يستطيع الطرفان تثبيت هدنة طويلة الأمد وإدارة خلافاتهما المتزايدة، أم أن الهدوء الحالي ليس سوى مرحلة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع التجاري والتكنولوجي؟
في هذا السياق يتحدث ثلاثة اقتصاديين أميركيين مع CNBC عربية عن الملفات الرئيسية التي يُعتقد أنها ستهيمن على القمة بين رئيسي أكبر اقتصادين في العالم، مُحددين الأطر الأساسية لخريطة التوازنات السياسية والاقتصادية بين واشنطن وبكين.
والخبراء الاقتصاديين هم:
◾ جيفري فرانكل | أستاذ في جامعة هارفارد وعضو سابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض
◾ جاي ر. ريتر | استاذ التمويل بمعهد Cornell بجامعة فلوريدا الأميركية، رئيس جمعية الإدارة المالية
◾ جوناثان د.أرونسون | الاستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية
يتناول الخبراء في هذه القراءة المفصلة للزيارة وأبعادها الجيوسياسية والاقتصادية التوازنات المعقدة التي تحكم القمة المرتقبة بين الرئيسين، بين حسابات الطاقة والسيادة الرقمية وتحديات التضخم العالمي وسلاسل التوريد، إلى جانب التوازنات الحزبية والسياسية في واشنطن قبل الانتخابات، علاوة على كيفية تفاعل الأسواق مع أي مؤشرات دالة على التقارب أو مزيد من الانفصال والتباعد بين القطبين.
العلاقات التجارية الثناية
يؤكد الخبراء أن القمة المرتقبة بين الرئيسين ترامب وشي تكتسب طابعاً استثنائياً؛ لكونها تمثل الاختبار المباشر والعملي لإمكانية إدارة الصراع التجاري الشرس وتحويله من مواجهة مفتوحة إلى مسار مُحكم عصي على الانفلات؛ فبينما تتنافس القوتان العظميان على ريادة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يضع الطرفان ملف العلاقات التجارية على رأس أجندة محادثات واشنطن، للتوصل إلى تفاهمات جديدة تخفض التوترات وتؤمن سلاسل التوريد الحيوية دون التفريط بالحسابات السياسية والانتخابية.
تكتسب القمة أهميتها المحورية من كونها تأتي أعقاب اجتماعات تمهيدية مكثفة جرت في نيويورك بين مسؤولي المالية والتجارة من كلا البلدين لإعداد شروط تفاهم متوازن، وفي وقت تسعى واشنطن فيه إلى اقتناص مكاسب اقتصادية ملموسة تُبرز نفوذها وتلبي تطلعات الشارع الأميركي، وذلك في وقت يؤيد فيه الكثير من المستهلكين الأميركيين تعزيز التعاون مع الصين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "سي إف آر-مورنينغ كونسلت" في يناير/ كانون الثاني 2026. كما حققت الشركات الأمريكية أرباحًا طائلة من الوصول إلى السوق الصينية.
ويشار إلى أنه في دراسة أجراها الخبيران الاقتصاديان خافيير جارافيل وإريك ساجر عام 2019، وجدا أن زيادة التجارة مع الصين رفعت القدرة الشرائية السنوية للأسرة الأميركية المتوسطة بمقدار 1500 دولار أميركي بين عامي 2000 و2007.
بينما تخوض بكين المفاوضات مدعومة بوزنها التصديري وسعيها لتفادي أي قيود جمركية إضافية قد تمس نموها الاقتصادي.
حرب إيران.. ملف يفرض نفسه
تتصل خيوط هذه القمة مباشرة بأزمات أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط؛ ففي قلب النقاشات (والتراشقات الدبلوماسية أيضاً)، يقف شريان النفط كعامل حاسم يوجه دفة القرار السياسي ويحدد سقف التصعيد بين القوى الكبرى.
تتجه الاتهامات الأميركية صوب بكين باعتبارها المشتري الأول والمستورد الأساسي للخام الإيراني، حيث تستوعب الأسواق الصينية الحصة الأكبر من صادرات طهران البحرية بأسعار تفضيلية وعبر تسويات مالية بعيدة عن هيمنة الدولار.
بالنسبة لإيران، يمثل هذا التدفق الاقتصادي شريان الحياة الأهم لتجاوز ضغوط الحصار، بينما تراه الصين ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لضمان أمنها التنافسي والصناعي، والتحوط ضد تقلبات الأسواق العالمية. غير أن هذا الصنبور المفتوح يضع بكين في مرمى الانتقادات الأميركية المتكررة بتقديم غطاء اقتصادي وسياسي لطهران وسط الاضطرابات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط.
من جانبها، تخوض الإدارة الأميركية مناورة سياسية مزدوجة تتراوح بين الوعيد المباشر والمناورة الجمركية. فبينما تتصاعد التهديدات بالرقابة الصارمة على حركة الناقلات وتطبيق أقصى درجات الضغط الاقتصادي، برزت ملامح استراتيجية جديدة تعتمد على ربط ملف الطاقة بالحرب التجارية الشاملة. ويظهر ذلك في التلويح بتفعيل فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة على سلع الدول التي تصر على شراء الطاقة من الأطراف المستهدفة بالعقوبات، وفي مقدمتها الصين. ورغم هذه النبرة الحادة، تتسم التصريحات الأميركية أحيانًا بنوع من التذبذب والتناقض؛ حيث يصطدم الرغبة في خنق الإمدادات الإيرانية بمخاوف واشنطن الحقيقية من ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة إذا ما تقلص المعروض العالمي فجأة.. في المقابل، ترد بكين بنبرة متوازنة لكنها صارمة، حريصة على عدم التفريط في مصالحها الحيوية.
صادرات النفط الإيرانية للصين
يقول استاذ التمويل بمعهد Cornell بجامعة فلوريدا الأميركية، رئيس جمعية الإدارة المالية، جاي ر. ريتر، لدى حديثه مع CNBC عربية:
◾ تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً محدوداً (على الصين)، لكن الحصار البحري لصادرات النفط الإيرانية يبدو أنه كان فعالاً في خنق هذه الصادرات (صادرات النفط الإيرانية للصين).
◾ في الأشهر الستة الماضية، خفّضت الصين وارداتها من النفط، مما أدى إلى ارتفاعات في أسعار النفط أقل مما كانت ستكون عليه لولا ذلك. وقد خفّضت الصين وارداتها النفطية بطريقتين:
◾ الأولى: في السنوات الأخيرة، استوردت الصين نفطًا أكثر مما تحتاجه للاستهلاك، مما أدى إلى تراكم احتياطيها النفطي الاستراتيجي. ومنذ بدء حرب إيران، توقفت الصين عن الإضافة إلى احتياطياتها.
◾ الثانية: استخدمت الصين جزءاً من احتياطياتها، مما جعل الواردات أقل من حجم الاستهلاك. لكن هذا الخفض في الاحتياطيات لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
ويضيف: سواء استخدمت الصين النفط الإيراني أو نفطاً من مصادر أخرى، فإن الأمر لا يهم؛ فبمجرد أن تتوقف الصين عن السحب من احتياطياتها، ستطلب المزيد من النفط، مما يدفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع. ومع ذلك، فإن مصدر النفط يحدِث بعض الفارق بالنسبة للمصافي؛ فبشكل عام، تُجهَّز مصفاة معينة لمعالجة نوع محدد من النفط، فالنفط القادم من إيران يختلف عن النفط القادم من فنزويلا، وتحويل المصفاة لمعالجة نوع آخر يُعد أمراً مكلفاً.
ماذا تقول البيانات؟
تراجعت الواردات الصينية من النفط لأقل مستوى منذ ديسمبر كانون الأول 2017 إلى 7.8 مليون برميل يومياً في يونيو/ حزيران، إذ سحبت بكين نفطاً من مخزونها لأول مرة في أكثر من عام، لكن بنك جيه بي مورغان يرى أن التراجع بمقدار 3 ملايين برميل يومياً في الطلب على الخام مؤقت، وسط تعافي تدريجي متوقع.
بينما ظهرت بوادر انتعاش الطلب الصيني في أغسطس، حيث ارتفعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 6.2% مقارنة بالشهر السابق لتصل إلى 37.9 مليون طن، وفقًا لبيانات الجمارك الصينية. ويمثل هذا الرقم أعلى مستوى للواردات منذ أربعة أشهر، على الرغم من أنه لا يزال أقل بنسبة تزيد عن 23% مقارنة بالعام الماضي.
وانكمشت الواردات الصينية من الخام بمستوى غير مسبوق 4.8 مليون برميل يومياً بين فبراير شباط ومايو أيار، وهو مستوى أقل من 4 ملايين برميل يومياً المسجل خلال ذروة جائحة كورونا في النصف الثاني من 2020.
وفي أغسطس، لم تستورد الصين النفط الخام الأميركي أو الفنزويلي أو الإيراني، فيما أفادت رويترز في وقت سابق بأن الارتفاع الحاد في الواردات من إندونيسيا قد يعكس جهودا لإخفاء شحنات النفط الخام الإيراني الخاضع للعقوبات التي يتم إعادة شحنها في المياه الإقليمية قبالة سواحل ماليزيا.
وفي المقابل، قفزت وارداتها من النفط الخام الروسي إلى 11.2 مليون طن (بما يعادل نحو 2.64 مليون برميل يومياً) بزيادة 41% على أساس سنوي و23% مقارنة بيوليو.
وفي سياق متصل، تُظهر البيانات الرسمية الصينية ارتفاع إنتاج النفط للشهر الثاني على التوالي في أغسطس/ آب، مدعوماً بصادرات الوقود القوية بعد أن خففت بكين قيود التصدير في منتصف يوليو/ تموز.
ارتفع إنتاج الصين المحلي من النفط الخام في أغسطس بنسبة 0.8٪ على أساس سنوي ليصل إلى 18.43 مليون طن متري، أو 4.34 مليون برميل يومياً.
وترتفع أسعار النفط لأن الصين تعود الآن إلى استيراد نفس كمية النفط التي كانت تستوردها قبل عام. ولو انتهى الحصار الأميركي لصادرات النفط الإيراني، وعادت صادرات دول الخليج إلى معدلاتها الطبيعية، لانخفضت أسعار النفط، وفق ريتر، الذي يضيف: " إن الهجمات الإيرانية وهجمات الحوثيين على شحنات النفط وخطوط الأنابيب في الخليج مسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط تمامًا كمسؤولية الحصار الأميركي على الصادرات الإيرانية".
ويشار إلى أن بكين استوردت نحو 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني العام الماضي، وهو معدل يوازي 12% تقريباً من إجمالي وارداتها النفطية، وبخصم يقدر غالبا بين 8 و10 دولارات للبرميل مقارنة بالواردات النفطية من دول أخرى، بحسب تقديرات لجنة المراجعة الأميركية الصينية.
وإلى ذلك، فإن الأستاذ في جامعة هارفارد وعضو سابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض، جيفري فرانكل، يقول لدى حديثه مع CNBC عربية، إنه "إذا توقفت الصين عن شراء النفط الإيراني، فإن ذلك سيعمل على خفض أسعار النفط العالمية، سواء كان ذلك للأفضل أو للأسوأ". لكنه يضيف: "لكنني لا أرى أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا فعالاً كافياً لإخضاع الصين لإرادتها".
التضخم.. وسلاسل التوريد
وتعزز تداعيات حرب إيران مخاوف الإمدادات التي تؤثر على أسعار النفط بشكل مباشر، وبما يعزز شبح التضخم العنيد الذي يواجه الاقتصادات كافة حول العالم، وفي ظل أزمات سلاسل التوريد الممتدة والخانقة.
ومن ثم فلن تغيب عن طاولة رئيسي أكبر اقتصادين في العالم حقيقة تفاقم أزمة التضخم المستمر التي تقودها تكاليف سلاسل التوريد المتزايدة والاضطرابات الجيوسياسية المتلاحقة.. ومن ثم يبرز السؤال الجوهري حول أثر أي تفاهم أو تهدئة بين واشنطن وبكين على استقرار شريان التجارة الدولية وتخفيف ضغوط الأسعار التي ترهق الكاهل العالمي.
يبرز التوافق التكتيكي بين الولايات المتحدة والصين كعنصر حاسم لإدارة المخاطر وتفادي الصدمات الاقتصادية العنيفة، وبالتالي فإن الوصول إلى تهدئة تجارية واضحة يحد من الشكوك المتبادلة، ويقلل من عمليات الشراء الاحترازي والتخزين المكلف لدى الشركات، كما يضمن انسيابية حركة الشحن الجوي والبحري عبر المحيط الهادئ، وهو ما تترقبه الأسواق عن كثب خلال القمة المرتقبة بين الرئيسين.
لكن فرانكل، يقول رداً على سؤال (في ظل مخاطر التضخم العالمي، إلى أي مدى يمكن أن يساعد التوافق بين واشنطن وبكين في تثبيت سلاسل التوريد الحيوية وضغوط التكلفة؟) إنه "إذا تمكنت كل من واشنطن وبكين من خفض الرسوم الجمركية للعودة بها إلى ما كانت عليه قبل تولي ترامب الرئاسة، فإن ذلك سيسهم في خفض الأسعار في كلا البلدين. لكنهما لن يفعلا ذلك".

تشكيك فرانكل في هذه الصيغة التوافقية التي تتمناها الأسواق، يتزامن مع ما تذهب إليه عديد من التحليلات التي تشير إلى أن أي توافق بين البلدين، حتى وإن نجح في كبح الجماح، فلن يلغي التضخم بالكامل أو يعيد العالم إلى عصر السلع الشديدة الرخص؛ ذلك أن اقتطاع سلاسل التوريد وبناء شبكات لوجستية جديدة خارج الصين يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة تُترجم في النهاية إلى ارتفاع دائم في كلفة الإنتاج. كما أن الاستثناءات المتعلقة بالقطاعات التكنولوجية المتقدمة والذكاء الاصطناعي تظل خاضعة لقيود الأمن القومي، بعيداً عن أي إعفاءات جمركية، يُضاف إلى ذلك تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية وأزمات الملاحة في الممرات المائية الحيوية.
ويقول الاستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، جوناثان د.أرونسون، لدى حديثه مع CNBC عربية: "بالتأكيد سيفيد هذا (أي توافق إضافي محتمل).. لكن الرئيس ترامب دمّر للتو سلاسل التوريد الراسخة مع كندا.. فلماذا يقدم الرئيس ترامب على هذا العرض مع الصين؟ ولماذا يثق به الرئيس شي بشأن سلاسل التوريد بين الصين والولايات المتحدة إن هو فعل ذلك؟"، وذلك إمعاناً في المزيد من الشكوك التي تلاحق إمكانية التوصل لتفاهمات حقيقية وعملية خلال القمة يمكن البناء عليها لمعالجة الأزمة بين البلدين والتي تنعكس بدورها على الاقتصاد العالمي ككل.
حرب خوارزمية.. التكنولوجيا والـ AI في قلب المشهد
وفي الوقت الذي تهيمن فيه قضايا النفط وسلاسل التوريد على الحسابات التقليدية بين البلدين، تخوض القوتان العظميان حرباً خوارزمية صامتة أحياناً وشديدة الصخب أحياناً أخرى، تقود المشهد التكنولوجي العالمي، وتشمل التحكم في سلاسل توريد الأشباه الموصلة، والسيادة على البيانات، وصياغة معايير المستقبل الرقمي.
تستند الاستراتيجية الأميركية بالأساس على سياسة الحظر والتضييق لمنع وصول التكنولوجيا الفائقة إلى الشركات والجامعات الصينية. وعلى مدى السنوات الأخيرة، فرضت واشنطن قيوداً صارمة على تصدير رقائق معالجة الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومعدات تصنيع الدوائر المتكاملة، بهدف خنق القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج اللغوية الضخمة. ورغم هذه الضغوط، تفاجأ القطاع التكنولوجي باستجابة صينية عكسية؛ حيث سعت الشركات الصينية للالتفاف على العجز العتادي عبر الابتكار البرمجي ورفع كفاءة الخوارزميات، إلى جانب تعزيز التنسيق مع شركات النسيج المحلي لتطوير بدائل بشرائح وطنية.
وفي هذا السياق، يتصاعد السجال الأميركي حول ما يُعرف بـ "التقطير الخوارزمي" وسرقة الملكية الفكرية. تتهم المجموعات التكنولوجية في السيليكون فالي شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة في الصين باستخدام مخرجات النماذج الأميركية الأكثر تعقيدًا لتدريب أساليب ونماذج صينية بسرعة قياسية وبكلفة مالية لا تُذكر مقارنةً بالاستثمارات الضخمة التي أنفقتها الشركات الأمريكية. في المقابل، تنفي بكين هذه الاتهامات مؤكدةً أن إبداعاتها تعتمد على الأبحاث المفتوحة وتحسين البنية التحتية البرمجية، مشيرةً إلى فتح قضايا ملكية فكرية وتنظيمات محلية تعزز حماية البيانات والتراخيص داخل أراضيها.
كذلك تثير النماذج الصينية المفتوحة المصدر قلقاً جديداً في واشنطن، فقد أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي القادمة من مجموعات صينية بارزة الخيار المفضل والفعال للعديد من الشركات والمطورين حول العالم بفضل انخفاض تكلفتها وكفاءتها المرتفعة. وترى الدوائر الأمنية الأميركية في انتشار هذه النماذج عالمياً محاولة صينية لوضع "المعيار الافتراضي" للتكنولوجيا المستقبلية، مما يقلل من النفوذ الأمريكي في أجهزة وأنظمة التشغيل العالمية، ويطرح مخاوف أمنية تتعلق بسلامة البيانات وتوجيه المحتوى الرقمي.
وعلى صعيد الأمن السيبراني، يتبادل الطرفان المخاوف بشأن استغلال الذكاء الاصطناعي في العمليات الدفاعية والهجومية. تحذر الإدارة الأميركية من استخدام القدرات المتقدمة في شن هجمات أمنية معقدة وتعميق حملات التضليل السياسي، بينما تعبر بكين بدورها عن قلقها من استخدام الأدوات الغربية لاختراق بنياها التحتية وقرصنة البيانات السيادية.
استاذ التمويل بمعهد Cornell بجامعة فلوريدا الأميركية يقول خلال حديثه مع CNBC عربية:
◾ تبدو مجموعة من نماذج الذكاء الاصطناعي "مفتوحة المصدر" الصينية جيدة جداً، وتُقدَّم بأسعار منخفضة.
◾ توجد اتهامات بأن هذه النماذج قد تدرّبت باستخدام نماذج شركتَي أنثروپيك (Anthropic) وأوبن إيه آي (OpenAI).
◾ بناءً على ذلك، فإن قيود التصدير الأميركية تُحدث بعض الأثر، ولكنه أثر محدود فقط بالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي الصينية.
◾ أحد المخاوف الكبيرة هو ما إذا كانت هذه النماذج الصينية مفتوحة المصدر تمتلك ضوابط أمان كافية.
◾ أمّا الخوف الأكبر يتمثل في التساؤل عمّا إذا كانت الحكومة الصينية معنية بسلامة هذه النماذج، أم أنها معنية فقط بـمنع استخدامها لتقويض سيطرة الحزب لشيوعي على الشعب الصيني.

ويضيف: "ولو لم تكن الحكومة الصينية تهدد الدول الأخرى، لكان القلق خارج الصين أقل بكثير؛ فعلى سبيل المثال، لا أحد يخشى من أن تُستغل نماذج شركـة ميسترال إيه آي (Mistral AI) الفرنسية لترسيخ نفوذ الحكومة الفرنسية".
ومن جانبه، يتبنى فرانكل الرأي القائل بأن القيود الأميركية " قد تُبطئ من التقدم التكنولوجي للصين قليلاً، ولكن لا يمكن تحقيق ذلك دون الإسهام أيضاً في تجزئة الأسواق"
الأبعاد السياسية الأميركية الداخلية
وبالتوازي مع الأبعاد الاقتصادية المباشرة على طاولة الرئيسين، فإن القمة -في تصور عديد من المراقبين- تشكل محطة جوهرية في "الدبلوماسية الترامبية"، في وقت يخوض فيه الرئيس الأميركي هذه المفاوضات وهو بحاجة ماسة لتقديم "انتصار تكتيكي" ملحوظ أمام الشارع الأميركي. بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن تقلبات أسواق الطاقة والتضخم، مما يجعل إظهار القدرة على إبرام صفقات مجدية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم ورقة رابحة لتعزيز موقف الحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع.
في هذا السياق، يقول الاستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، جوناثان د.أرونسون، لدى حديثه مع CNBC عربية:
◾ انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني من المرجح أن تطيح بحلفاء الرئيس ترامب الجمهوريين من السلطة في مجلس النواب الأميركي، كما تزداد فرص سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ الأميركي.
◾ وبالتالي ستتبع ذلك جلسات استماع لا تنتهي، وربما إجراءات عزْل. وبات القيام بأي شيء إيجابي خلال العامين المقبلين أمراً موضع شك.
◾ لكل هذه الأسباب، يحتاج الرئيس ترامب بشدة إلى تحقيق انتصار في قمته هذا الأسبوع مع الرئيس شي. والمشكلة هي أن شكل هذا الانتصار (دون التنازل عن الهيبة الأمريكية أو إظهار الضعف) في هذه القمة غير واضح.
◾ الرئيس ترامب يحترم الرئيس شي، لكني سأكون متفاجئاً إذا ظهرت اختراقات كبيرة من هذا اللقاء القصير.

تحليل أرونسون يتماشى مع نبرة التشكيك التي يتحدث بها عديد من المحللين بشأن مدى التعويل على القمة، في الوقت الذي يسعى فيه ترامب لضمان اتفاقيات ملموسة تشمل تعهدات صينية بزيادة المشتريات الزراعية وتخفيف القيود التجارية، إلى جانب تمديد الهدنة الجمركية الحالية لتفادي صدمات اقتصادية جديدة قد تغضب الناخب الأميركي. وفي المقابل، تدخل بكين القمة وهي تستند إلى زخم في مؤشراتها التصديرية وفائض تجاري قياسي، مما يمنحها هامشاً للمناورة وعدم الاستعجال في تقديم تنازلات جوهرية تمس استراتيجيتها طويلة المدى.
بينما على الصعيد السياسي والجيوسياسي، تلقي الصراعات الإقليمية وأزمات الطاقة بظلالها على طاولة المفاوضات. تحاول واشنطن استغلال نفوذ بكين لتخفيف حدة التوترات في سوق النفط العالمي والحد من استمرار الضغوط على إمدادات الطاقة، خاصة فيما يتعلق بالروابط التجارية بين الصين وإيران. وفي الوقت ذاته، يحرص الجانب الأميركي على عدم الإيحاء بأي تراجع في الملفات السيادية الحساسة مثل ملف تايوان أو القيود الاستراتيجية على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، لتجنب اتهامات التفريط بالهيبة الأميركية من قبل الخصوم السياسيين.
كيف تتأثر الأسواق بمخرجات القمة؟
وفي ضوء ذلك، تترقب الأسواق المالية والتجارية عن كثب المخرجات الرسمية والرسائل الضمنية التي سوف تصدر عن هذه القمة؛ إذ يُترجم استبعاد تحقيق اختراقات هيكلية حاسمة إلى استمرار الضبابية وتذبذب مؤشرات الأسهم العالمية. وفي حال اقتصار نتائج القمة على تصريحات دافئة وهدن موقتة دون إلغاء الرسوم الجمركية أو فك قيود التصدير التكنولوجي، يُعتقد بأن أسهم قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والأشباه الموصلة ستظل تحت الضغط وإعادة تقييم مستمرة، حيث تتخوف القوائم المالية للشركات من تداعيات تجزئة الأسواق العالمية وارتفاع علاوة المخاطر، مما يدفع المؤسسات الاستثمارية للتردد في ضخ رؤوس أموال جديدة.
وفي أسواق الطاقة والسلع الأساسية، تعيش أسعار النفط الخام والمعادن الحيوية على وقع انتظار أي إشارات تعيد تشكيل حركة الشحن وإمدادات الطاقة العالمية. فعدم إبداء أي حلول عملية لتخفيف الحظر أو لتهدئة المخاطر الجيوسياسية في الممرات البحرية يجعل الأسواق تتعامل مع أسعار الطاقة بواقع تضخمي مرتفع، الأمر الذي يعزز من توقعات استمرار الفائدة المرتفعة وتراجع أسعار السندات.
من جانبه، فإن الأستاذ في جامعة هارفارد، جيفري فرانكل، يقول رداً على سؤال (هل تتوقع أن تسفر هذه القمة عن تقدم ملموس بشأن السياسات التجارية والتكنولوجية، أم يرجح أن تكون مجرد استراحة دبلوماسية مؤقتة دون تغييرات هيكلية للأسواق؟): "لا، أستبعد تمامًا أن تسفر القمة عن أي تقدم ملموس". كما يقول أرونسون في الوقت نفسه: "أتوقع كلمات لطيفة، ولكن دون اختراقات قابلة للتنفيذ"، بما يشكك في مدى إمكانية تأثر الأسواق.
وبشكل عام، تنعكس هذه القمة كاختبار حقيقي لاستراتيجية إدارة ترامب في صياغة "صفقة متوازنة"؛ فالهدف بالنسبة له تأمين استقرار تجاري واقتصادي يتيح التهدئة على الجبهة الخارجية لضمان التفوق في الانتخابات القادمة. وبذلك، يتحول الحوار بين واشنطن وبكين إلى محرك مباشر يتأثر ويؤثر في مسار السياسة الداخلية الأميركية.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي